محمد إبراهيم الحفناوي
354
دراسات اصوليه في القرآن الكريم
لو صح نسخ شريعة موسى عليه السلام بشريعة محمد صلى اللّه عليه وسلم - للزم من ذلك الكذب على اللّه تعالى في قوله لموسى : « هذه شريعة مؤبدة ما دامت السماوات والأرض » والكذب في خبره تعالى محال فامتنع القول بنسخ شريعة موسى عليه السلام بشريعة محمد صلى اللّه عليه وسلم . هذا هو دليلهم الذي استدلوا به على ما ذهبوا إليه . فهم يرون أنه لا سبيل إلى إنكار نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، لأن التوراة بشرت به صلى اللّه عليه وسلم ، وأنه جل شأنه أيده بالمعجزات الكثيرة القاهرة . لكن لا سبيل إلى القول بأن رسالته عامة لأن ذلك يؤدى إلى انتساخ شريعة إسرائيل بشريعته ، والخلاف بينهم وبين الشمعونية والعنانية أن دعواهم مقصورة على منع انتساخ شريعة موسى عليه السلام بشريعة محمد صلى اللّه عليه وسلم . والحق أن ما استدلوا به على تأبيد شريعة موسى عليه السلام وعدم نسخها بشريعة أخيه الأكبر محمد صلى اللّه عليه وسلم مردودة لما يلي : أولا : هذا القول مكذوب على موسى عليه السلام فهو لم يقله ، ولم يقل له والذي لقنهم به هو ابن الراوندي « 1 » ليعارض به شريعة محمد صلى اللّه عليه وسلم . والذي يقوى عدم صحته أن اليهود الذين وجدوا في عصره صلى اللّه عليه وسلم لم يعارضوا به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مع أن فيه حجة لهم ، ومعلوم أن اليهود أحرص الناس على المعارضة . قال الشيخ الشيرازي رحمه اللّه « 2 » : « . . . لو كان هذا أصلا لكان قد احتج به أحبار اليهود على النبي
--> ( 1 ) هو أحمد بن يحيى بن إسحاق أبو الحسين الراوندي فيلسوف مجاهر بالإلحاد . وكان في أول أمره من متكلمي المعتزلة وتوفى سنة 298 ه وقيل غير ذلك . ( وفيات الأعيان 1 / 78 ، وشذرات الذهب 2 / 235 ، والنجوم الزاهرة 3 / 175 ) ( 2 ) التبصرة في أصول الفقه له 254 .